عادت أبواق “المخزن” المنتشية بدعم بريطاني لمخطط المملكة المزعوم، بظاهر تنموي وباطن استعماري للصحراء الغربية، لتكشر الأنياب على مستشار الأمن القومي السابق للرئيس دونالد ترامب، جون بولتون، بعد إعلان دعمه خيار تقرير المصير لتسوية القضية المصنفة من طرف الأمم المتحدة في خانة تصفية استعمار، ولأن الحقيقة مرة- ولا تتجاوب مع مسطرة محمد السادس- أجمعت الصحف المغربية على تخصيص صفحاتها لانتقاد خرجة السياسي الأمريكي، قبل توجيه اتهامات للجزائر، وسفيرها بواشنطن، على وجه الخصوص، بالوقوف وراء هذا الموقف، ولأن القصر العلوي يتقن أساليب شراء الذمم، قالت المنابر الإعلامية آن الدبلوماسي الجزائر اشترى هذا الموقف، في اعتقاد زائف أن ممارسات بوريطة في السياسة ولقجج في الرياضة من شيم الجزائريين.
هز المقال الذي نشرته صحيفة “واشنطن بوست” الأربعاء الماضي، البلد الجار لسببين، والأول كون كاتبه ليس أي كان بل يتعلق بمستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، الذي تقلد منصبا حساسا ولا حاجة له لإملاءات للتمييز بين الأسود والأبيض، والسبب الثاني أن الرجل لم يترك خيارات ليخدم بها من يحاول ويتماطل في ترقيع واجهة الاحتلال بالترويج لمشاريع تنموية في أراض لا يزال يلح أصحابها على استرجاعها واستعادة سيادة وطنهم، وقال بولتون بالحرف الواحد ” السياسة الأمريكية يجب أن تعود إلى منطلقاتها الأصلية سنة 1991، أي دعم إجراء استفتاء حر يقرر فيه الصحراويون مصيرهم، كما أن أعضاء الكونغرس مدعوون لزيارة المخيمات في تندوف والاستماع مباشرة إلى قادة البوليساريو والمواطنين الأمريكيين العاملين هناك للاطلاع على الحقيقة”، ولم يتوقف المعني عند هذا الحد، بل أكد أن المغرب لديه تطلعات إقليمية تشمل أيضاً أجزاء من شمال موريتانيا وغرب الجزائر.
هذا التأكيد على الغريزة الاستعمارية لنظام “المخزن” من رجل متمرس وليس بصدد اكتشاف التواءات العمل الدبلوماسي، تنير النفق الذي يفضله قصر الملك محمد السادس، حين تسعى أصوات الحق لإنارة الدرب، ورغم أن الرباط تظهر نفسها في موقع قوة، بدعم ثلاثة أعضاء دائمين في مجلس الأمن، أمريكا ثم فرنسا، قبل أن تلتحق بدرب المقتنعين بزيف “المخزن” المملكة المتحدة، أول أمس، إلى أن شهادة بولتون على عدالة القضية الصحراوية لا يستهان بها، بل تكشف أن الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية المزعومة على ارضي الصحراء الغربية المحتلة لم تكن على وقائع تاريخية، بل أن عقارب الساعة سارت وفق ما يتقنه نظام معروف بالالتواء والمراوغة، ولن يرضى ترامب -صاحب الفكر التوسعي، ولعل مواقفه حول غزة، واستفزازاته لكندا والدانمارك بخصوص جزيرة غريلاند خير دليل- دون بديل.
ولأن بوريطة ومحمد السادس التزما الصمت، حلت الصحف المحلية وزارة الخارجية والقصر، لقصف بولتون والتهجم على الجزائر، وكتبت “ماروك إيبدو” إن موقف السياسي الأمريكي ” يتناغم مع الرؤية الجزائرية، وتتناقض مع التوجهات الأمريكية الأخيرة” واتهم المنبر الإعلامي الجزائر بالاستعانة بـ “محامي معتمد”.
ودهب موقع ma.360 كعادته بعيدا، ليزعم أن هذا الموقف “من تدبير” سفير الجزائر بالولايات المتحدة الأمريكية صبري بوقادوم، وأضاف أنه على دراية بـ تكلفة هطا اللوبيينغ” للجزائر، إلا أن الموقع الإخباري المخزني لم يحدث قراءه عن تكاليف التأثير على السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، ولأن مصالح بوريطة لم تتمكن من شراء ذمة بولتون، استطاعت إغراء أعضاء في الكونغرس بغية تمرير مقترح لتصنيف “البوليساريو حركة إرهابية”.
من جانبها، اتهمت صحيفة “هسبريس”، السبت الماضي، في مقال عنونته “بولتون: السلاح الفتاك للجزائر؟” ، الجزائر بمحاولة القيام “بمناورة غير متوقعة” بإعادة ما أسمته “تفعيل مقاربة جون بولتون” للدفاع عن قضية الاستفتاء في الصحراء الغربية.
ووقعت مختلف المنابر الإعلامية المغربية في تناقض مع نفسها، في مؤشر على افتقادها للمصداقية والموضوع، باتهام الجزائر من جهة، والإشارة من جهة أخرى أن بولتون مدافع منذ فترة طويلة عن القضية الصحراوية. وكتبت “ماروك آيبو” في السياق “يُعرف بولتون بدعمه القوي وطويل الأمد لإجراء استفتاء تقرير المصير، حتى أنه شارك في تطوير خطة جيمس بيكر الثانية في عام 2003″، وعنون موقع “Le Desk.ma” في 10 سبتمبر 2019 “جون بولتون أقال من قبل ترامب: المغرب يشعر بالارتياح الآن”.
فهل تحتاج الجزائر إذن إلى دفع المال لرجل بحجم بولتون ليعبر عن قناعاته الراسخة؟ الاتهام السخيف، لا يخفي سوى محاولات يائسة لإسقاط ممارسات اشتهر بها القصر الملكي على الجار، وهو الذي يجند الميزانيات لحصد مصداقية هشة وترقيع الواجهة الاستعمارية لإظهار المملكة الطرف النافذ والآمر، بقيادة وزير المالية ورئيس الجامعة المغربية للكرة لقجع في المجال الرياضي، ويقلده بوريطة في المجال الدبلوماسي، وفي ميادين أخرى، أما الجزائر فهي ليست بحاجة لهدر المال لإثبات حقائق تاريخية، بل الأجدر بالمغرب أن يقتنع بها ويخلع القناع التنموي بإنهاء الاستعمار، وهو تماما ما يقصده بولتون في مقاله.

